تقرير : الهروب من مذابح أفريقيا الوسطى
أسفرت الهجمات التي تقوم بها عصابات بالاكا المسيحية في جمهورية أفريقيا الوسطى منذ ديسمبر الماضي عن مقتل أكثر من 1600 شخص وتهجير مئات الآلف منهم
أفريقيا, جمهورية أفريقيا الوسطى 11.03.2014

كنت في الأسبوع الماضي في وسط أفريقيا ، في أحلك زوايا القارة السوداء على حدود دولتين من الدول الثلاث التي تحتل المراكز الأخير في مؤشر الديمقراطية العالمي . وفي بلد غارقة في الفقر والفساد والسرقة و الاستعمار . وتجولت بحزن في قبور الأطفال الذين ماتوا من الحروب الأهلية والملاريا والحمى الصفراء وبين الأطفال الذين لم يأتهم الدور لقبض أرواحهم بعد لا يزالون على قيد الحياة . ووصلنا إلى حدود أفريقيا الوسطى بعد رحلة طويلة لحوالي 1200 كيلومترا من الصحراء الكبرى إلى السافانا الأفريقية . وأقمت في مخيمات اللاجئين الذين تشردوا من أوطانهم وفقدوا كل ممتلكاتهم وأموالهم . واستمعت إلى قصص الناس الذين فقدوا أبنائهم أو أمهاتهم أو آبائهم أو أحبائهم . على الرغم من هذه الرحلة المظلمة والكئيبة التي قمت بها ، أحضرت لكم صورا لأطفال يجرون ببهجة خلف البالونات التي لم يروها من قبل ولا يعرفون ماذا تعني بوجوه مشرقة كلؤلؤ أسود تكفي لإضاءة العالم بأكمله . وأردت ان تخرجوا من دوامة السياسة الداخلية لتعرفوا ماذا يحدث في العالم الخارجي . أردت ان تروا صورا مختلفة لأفريقيا وأن تحبوا هذه القارة الجميلة

 

لماذا ذهبت إلى أفريقيا؟

لقد جذبت إنتباهكم ما جاء من صور للأحداث الجارية في الآونة الأخيرة في جمهورية أفريقيا الوسطى وخاصة صورة رجل في العاصمة بانغي يجرونه على الأرض ويلقون على رأسه صخرا تقتله . فضلا عن صور تثير الغثيان للقتلة الذين يرفعون إشارات النصر وفي أيديهم أذرع وسيقان قاموا بقطعها . كما وتدفقت في العديد من وكالات الأنباء المئات من الصور المماثلة منذ ديسمبر كانون الأول الماضي . ووصلتنا معلومات عن ما تقوم به عصابات بالاكا المسيحية في البلاد من هجماتها المستمرة ضد الأقلية المسلمة وقتلهم للنساء الحوامل وقطع أطراف المسلمين وإلقائهم للتماسيح وهم لا يزالون على قيد الحياة

 

حتى قدم المستعمرون

كنت أتساءل هل أن المسألة هي حرب دينية بحق أم تحتوي على أسباب أخرى؟ وفي الوقت ذاته ، اتصلوا بي من هيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات وأخبروني أن هناك فريق سيقوم بالتوجه إلى المنطقة لمد يد المساعدة لضحايا الحرب الأهلية وزيارة مخيمات اللاجئين على الحدود بين تشاد وأفريقيا الوسطى . وأنهينا إستعداداتنا في غضون أيام قليلة وخرجنا في طريقنا إلى افريقيا . كنت قد ذهبت من قبل إلى المنطقة التي تقع على الحدود بين البلدين إلا أنني لم أدخل الأراضي التي تواجه تلك الماساة . وذهبت إلى هناك ورأيت وكشفت أن لدينا القليل من المعرفة حول العالم . أولا اسمحوا لي أن انقل لك ما عرفته حول جمهورية أفريقيا الوسطى . أظهرت الأبحاث أن الإنسان يسكن هذه الأرض منذ العصر الحجري . في الواقع كان هذه الشعوب يعيشون في المنطقة بسلام حتى القرن التاسع عشر حيث كان جزء كبير من أهل المنطقة ينتمون إلى الأديان الأفريقية القديمة بالإضافة إلى المسلمين والمسيحيين . واستمر الوضع على هذا الحال حتى عام 1887 حيث قام جوال فرنسي بإعداد تقرير يكشف عن الثروة الاقتصادية للبلاد وما تحتويه من خيرات وموارد طبيعية ليتغير الوضع تماما . لأنه بعد هذا التقرير قامت الحكومة الفرنسية بضم البلاد إلى نظامها الاستعماري وأرسلت أول وحدة عسكرية لها عام 1889 إلى العاصمة بانغي. ومن ثم استعمرت البلد كله في غضون سنوات قليلة لتتغير الحياة تماما . وبعد قدوم هؤلاء المرتزقة ، وصل المبشرين إلى البلاد الذين قاموا بضم العديد من القبائل المنتمية إلى الأديان الأفريقية القديمة إلى الكنيسة المسيحية . وتبلغ الآن نسبة المسيحيين من عدد السكان الإجمالي حوالي 50 بالمئة بالإضافة إلى 30 بالمئة من المنتمين للأديان القديمة والباقين من المسلمين . وستسألون أي من هذه المجتمعات تتنعم الثراء وأيها تعاني من الفقر؟ كلها فقيرة ويائسة دون زيادة أو نقصان . لان الغربيين (بالنسبة لأهل المنطقة الشماليين ) جلبوا الإنجيل إلى هناك لكنهم إستولوا على كافة ثرواتهم ومواردهم الطبيعية خلال القرن ونصف القرن الماضيين . ولقد استغرق وقتا طويلا جدا لكي يفهم الأفارقة أن ثمن الكتاب المقدس الذي جلبوها هم غاليا جدا. ونصيب الفرد من الدخل والناتج القومي الإجمالي حوالي 731 دولار . على الرغم من وجود الذهب والنفط والنيكل والماس بشكل غني جدا في البلاد إلا أنها تتصدر المركز الأول في معدل وفيات الرضع والأمهات. والخدمات الصحية ضئيلة تكاد لا تذكر. ويعاني شعب أفريقيا الوسطى من العديد من الأمراض الخطيرة والقاتلة مثل الملاريا والجذام والإيدز ومرض النوم ولا تزال الانقلابات العسكرية مستمرة دون توقف



بدء عصر الإنقلابات

نالت جمهورية أفريقيا الوسطى إستقلالها عن فرنسا في الستينيات من القرن العشرين ليصبح ديفيد داكو رئيسا للبلاد . وبعد ستة سنوات من الحكم أطيح داكو عن الحكم على يد جان بدل بوكاسو الذي أعلن نفسه رئيسا للدولة . لم يكتف بوكاسو بحكمه الاستبدادي والدكتاتوري ليعلن نفسه في عام 1976 ملكا للبلاد تحت اسم بوكاسو الأول. وبعد ثلاث سنوات قام الزعيم السابق بالإستيلاء على السلطة في البلاد أثناء زيارة بوكاسو لليبيا ليطاح به هو الآخر بعد سنوات قليلة من قبل شخص آخر ثم آخر ثم آخر في عصر لم تنتهي فيه الانقلابات . ولكن تم تنفيذ كافة هذه الانقلابات بعلم وموافقة من فرنسا . لذلك لم يتوقف الفساد والجوع والمرض الذي يسود البلاد بل وعلى العكس استمر في التزايد ليجر البلاد إلى ظلم دامس . قام بعد ذلك بعض المسلمين أفقر مجتمعات البلاد والذين يقيمون في شمالها بمرافقة بعض المسيحيين والتسلح وإعلان الثورة على هذا الوضع الفاسد . وقامت هذه الحركات المسلحة المسماة بإسم '' تحالف سيليكا '' التي نشأت في المناطق الريفية في جمهورية أفريقيا الوسطى بالسيطرة على بعض المدن عام 2011 لتنجح في مارس 2013 بالوصول إلى العاصمة بانغي وإسقاط النظام الحاكم وتعيين قائدها ميشيل جوتوديا كالسودان أول رئيس مسلم لجمهورية أفريقيا الوسطى ونيكولا تيانغايا المسيحي كرئيس وزراء للبلاد . ووعدت هذه الحكومة الانتقالية بتنفيذ انتخابات ديمقراطية في غضون 18 شهرا . في الوقت الذي بدى للجميع أن الأوضاع تجري في مجراها الطبيعي والهادئ ، قام تنظيم مسلح تحت اسم '' ميليشيات بالاكا '' بإثارة الفوضى في البلاد وبدأت حربها البشعة وجرائمها وجميع أنواع الممارسات غير الإنسانية ضد المساجد والمؤمنين والأماكن التي تقطنها مجتمعات مسلمة . وأسفرت الهجمات التي تقوم بها عصابات بالاكا المسيحية في جمهورية أفريقيا الوسطى منذ ديسمبر الماضي وحتى الآن عن مقتل أكثر من 1600 شخص معظمهم من المسلمين . ونتيجة لهذه الأحداث الدامية التي تسود البلاد التي يبلغ عدد سكانها حوالي 4.5 مليون نسمة اضطر حوالي 785 ألف نسمة إلى مغادرة أوطانهم ومنازلهم في حاجة ماسة للمساعدة في حين بلغ عدد المحتاجين نتيجة لإغلاق المحلات والشركات والبنوك والعيادات حوالي 2.2 مليون نسمة . وفي هذه الأثناء غادر حوالي نحو 200 ألف شخص بلادهم ولجؤوا إلى البلدان المجاورة مثل الكاميرون وتشاد لإنقاذ حياتهم من موت محكم . هذه بإختصار قصة التطورات التي أودت بحياة الملايين والتي دفعتنا للذهاب إليها في نهاية المطاف

مهندس كهربائي في بلد بدون أضواء

إضطررنا للذهاب إلى العاصمة التشادية انجمينا لأن الدخول والخروج إلى مناطق الصراع في أفريقيا الوسطى محظور تماما من قبل القوات الفرنسية وقوات الاتحاد الأفريقي . كان فريق هيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات الذي يتألف من 3 أشخاص برئاسة السيد سرهات إيكينجي منسق أعمال أفريقيا في الهيئة يهدف لشراء المعونات اللازمة من انجمينا وتقديمها للاجئين على الحدود مع أفريقيا الوسطى . وأتيحت لي أنا أيضا الفرصة للتجول في المدينة والتطلع على عملية الشراء هذه . كانت هذه الفرصة مهمة جدا بالنسبة لي لأن السوق هي أهم الأماكن التي تحكي لكم قصص تلك الدولة بشكل واضح . لقد قمت من قبل بمرافقة السيد سرهات اوراكجي أهم خبراء أفريقيا في رحلته إلى السودان . والسبب من شراء مواد الإغاثة ونقلها إلى المخيمات التي تبعد حوالي 200 كيلومترا هو أن الأسعار تزداد ضعفين أو ثلاثة كلما إقتربنا من المناطق الحدودية . وتعرفت أثناء هذه الرحلة بشخص اسمه أحمد فاضل مهندس كهربائي من أبناء الأسر الرائدة في تشاد . حتى في مكان مثل العاصمة نجامينا 20 في المائة فقط من المنازل لديها كهرباء . أما الباقين فيستخدمون مصابيح زيتية أو مولدات كهربائية بدائية . أحمد أيضا يستخدم مولدا كهربائيا لإضاءة منزله على الرغم من أنه يعمل كمهندس كهربائي . لكنه يؤمن بأن بلاده ستنعم بالكهرباء خلال السنوات العشر القادمة بسبب آبار البترول الضخمة التي تم إكتشافها في المناطق الجنوبية والشمالية بتشاد . وأقام في تركيا لمدة سبع سنوات وتعلم اللغة التركية بشكل جيد . بعد الانتهاء من تعليمه ، عاد إلى بلاده لخدمة أهله ومواطنيه . كما ويساهم أحمد في نفس الوقت بتنظيم أنشطة مكتب هيئة الإغاثة الإنسانية للشؤون الأفريقية في المنطقة . يعمل ليلا ونهارا دون توقف. واصطحب الفريق إلى أكبر تجار السوق . بعد مساومة صعبة بين التاجر والسيد سرهات، تم شراء العديد من المواد الغذائية الأساسية من الطحين والأرز والسكر والزيت وتحميلها لشاحنات خرجت على شكل قافلة في طريقها إلى مخيمات اللاجئين



إنتقام أفريقيا

خرجنا من العاصمة التي تقع بين البركة والجفاف في طريقنا إلى الجنوب ومررنا طوال الطريق بين القرى والبلدات الصغيرة منها والكبيرة والمراعي المنتشرة . لم نر في طريقنا أي '' رجل أبيض '' غيرنا . حتى نحن أيضا لم يبق فينا أي مكان أابيض نتيجة للتراب الذي واجهناه طوال الرحلة . وفي أعقاب الحركة المناهضة للاستعمار التي وصلت ذروتها في الستينات من القرن العشرين ، وشهدت المنطقة من فترة لأخرى ثورات ضد '' الرجل الأبيض '' الذي نهب خيرات أفريقيا بأكملها على مدى قرون عدة . وشهدت السنين العشرين الماضية هجرة عودة لحوالي 8 ملايين من البيض إلى البلاد التي كانوا قد قدموا منها. وبدأ هذا الغضب أولا ضد الغربيين البيض ليتحول مع الوقت إلى غضب ضد العرب . حيث تم طرد العديد من التجار العرب الذين قاموا في خمسة قرون بتعبيد 18 مليون أسود أفريقي وبيعهم لكثير من دول العالم بما في ذلك أمريكا . وبذلك إستعادت أفريقيا لونها الأصلي واختفت الألوان الأخرى لتبدأ صراعات بين أصحاب اللون الواحد وحروب وإنقلابات يقومون بها من يدعون أنهم أكثر سوادا من الآخرين ويسيطرون على الحكم ليستمر اليأس والفساد والفقر الذي يسود البلاد. فأفريقيا الآن تواجه متاهة من أجل السواد الذي تحن إليه .
كان من بينهم طفلة مختلفة جدا عن الاخرين . وجهها الصغير يضحك بإستمرار تلاحقني في كل مكان أذهب إليه تمسكني من بنطالي وتحاول جري وتضحك على ذلك . وتخلصت منها لبعض الوقت وصعدت فوق الشاحنة لألتقط بعض الصور براحتي لأجدها بعد دقيقتين فوق الشاحنة تمسك بي من جديد فنزلت وحاولت الهرب منها . في اليوم التالي وأثناء تجولي في المخيم لتفقد أوضاعه خرجت تلك الفتاة فجأة من خلف شجرة لتمسك بي من جديد فانفجرت ضاحكا وعانقتني وهي تضحك . وبعد يومين سألني سرهات إذا كنت أتذكر هذه الطفلة التي طالما ركضت من خلفي لتمسك بي وأراني صورتها . فنظرت إلى الصورة وتعرفت على الطفلة التي تتمسك بالبنطال وتضحك ولقبناها بذلك إلا أننا ندمنا على ذلك. لأننا علمنا بعد ذلك أن والدها الأبيض قد قتل قبل ثلاثة أشهر وازدادنا حزننا حزنا عندما قالت والدتها أنها كانت تفعل نفس الشئ مع والدها قبل أن يقتل ظنا منها أننا والدها



يسيرون على أقدامهم 7 كيلومترات يوميا من أجل الماء

لم نجد طوال مسيرتنا في أي من المناطق السكنية أي شبكة حديثة للماء. ويقوم أهل المنطقة بتوفير احتياجاتهم من الماء من خلال آبار مياه تم حفرها من قبل منظمات الإغاثة العالمية أو المنظمات الخيرية القادمة من البلدان الإسلامية . وتقع هذه الأبار المنتشرة في مختلف المناطق السكنية بشكل عشوائي تحت تهديد الجراثيم المتسربة من خزانات الصرف الصحي . مما يفسر وفاة حوالي 112 طفل من 1000 طفل أفريقي قبل أن يتجاوز عامه الأول . ورأيت في كل مكان توجهت إليه في القارة الأفريقية نساء تحملن الماء على رؤوسهن أو على ظهورهن أو على عربات يد بدائية. ولكن تفاجأت في مقالة قرأتها قبل بضعة أشهر تذكر أن النساء والفتيات في القارة الأفريقية يمشون بمعدل 7 كيلومترات يوميا من أجل الحصول على الماء . كما وتتصدر أفريقيا التي يبلغ عدد سكانها حوالي مليار إنسان المركز الأول في وفيات الأمهات والرضع. ووفقا لتقرير صادر عن الأمم المتحدة أعد عام 2012 بلغ عدد وفيات الأمهات أثناء الولادة ذلك العام في منطقة جنوب الصحراء الكبرى حوالي 287 ألف أم . كما ويذكر التقرير أن هذا الرقم كان عام 1990 حوالي 543 ألف أم ما يعني انخفاض هذا الرقم إلى النصف خلال 22 عاما . ويكشف التقرير كذلك عن نقص الوفيات بين الأطفال والرضع في نفس الفترة من 12 مليون إلى 7.6 مليون طفل وطفلة. في الواقع بالإمكان قطع مسافات كبيرة في وقت قصير من أجل تحسين الظروف المعيشية لأهل القارة الأفريقية وذلك بتوفير الاستقرار السياسي والحد من السرقات المستمرة داخليا وخارجيا. لأن هذه القارة الجميلة تحتوي على 50 في المئة من احتياطي الذهب في العالم فضلا عن مخزون 30 في المئة من الماس و90 في المئة من الكوبالت والبلاتين و70 في المئة من الكولتان المستخدم في صناعة الهواتف الخلوية و98 في المئة من الكروم . وكما تحتوي القارة على احتياطيات النفط الذي يكفي لتلبية احتياجاتها ثلاثة مرات على الأقل . ولكن هذه المصادر يتم نهبها من قبل القوى الاستعمارية الجديدة والمتعاونين المحليين الخونة الذين يساهمون في هدم الاستقرار السياسي في القارة. ووفقا لتقارير حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، تحتل الدول الأفريقية المركز الخمسة والعشرين الأخيرة في الترتيب الدولي

أين أنتم منذ 100 عام؟

تقع بعض مخيمات اللاجئين في منطقة بالقرب من بلدة غور في القسم الجنوبي من تشاد. واستغرقت رحلتنا من العاصمة إلى هناك حوالي 15 ساعة . ويوجد حاليا في تشاد حوالي 100 ألف لاجئ من جمهورية أفريقيا الوسطى . وتبذل تشاد الفقيرة قصارى جهدها من أجل مد يد العون لهم . كما ويقوم الصليب الأحمر الدولي بتقديم بعض المعونات للاجئين هناك . واستقبلنا محافظ المحافظة الجنوبية التي تقع بلدة غور فيها بذهول عند الزيارة التي قمت بها مع وفد هيئة الإغاثة الإنسانية قائلا : لقد ذهبتم فجأة قبل مائة سنة . والآن تأتون من جديد للمرة الأولى؟ هذه الأراضي ترى وجوه أتراك مرة أخرى بعد مرور قرن كامل . وفوجئنا وحزنا لما سمعناه وخاصة بعد أن قال لنا أن هيئة الإغاثة الإنسانية هو أول منظمة إنسانية تأتي إلى المنطقة من المسلمين الذين يبلغ عددهم أكثر من مليار ونصف في مختلف أنحاء العالم . وكفانا ذلك لكي نفهم مدى العجز والشعور بالوحدة التي تعاني منها المنطقة

الأطفال والبالونات

وكان فريق المساعدات قد أحضر وا معهم بجانب الإحتياجات الأساسية بعض الألعاب للأطفال من بينها البالونات. حيث قام الفريق بتوزيع الهدايا على الأطفال وبجانب كل منها بالون . وفي اليوم التالي وبعد أن رأيت الأطفال يمسكون بالبالونات دون نفخها أو اللعب بها سألت باللغة الإنجليزية أحد البالغين في المخيم عن سبب عدم نفخ الأطفال للبالونات فأجابني باستغراب أنه هل يمكن نفخها؟ فهمت بعد ذلك المسألة فأخذت أحد البالونات وقمت بنفخه والقيته في الهواء لتقوم الدنيا ولم تقعد. ثم جاءني طفل آخر وبالونه في يده فقم بنفخه ثم طفل آخر ثم آخر ليتحول الجو هناك إلى عيد . لقد اخضرت إليكم سلام أطفال أيتام بلا آباء لم يرون البالونات من قبل

طلبوا من الهيئة مستشفى

استيقظنا مبكرا وخرجنا في طريقنا إلى مخيم اللاجئين . مخيم قام المقيمون به بإنشائه بشكل بدائي من ما وجدوه من قماش في حين قام بعضهم بخياطة ملابسهم ببعضها البعض واستخدامها كخيمة تقيهم من هذا الموسم الذي تبلغ متوسط درجة الحرارة نهارا 36 درجة في الظل مما يجعلنا نفهم ما يلزمهم لأهل المنطقة من إحتياجات أساسية . وفي الليل يبرد الجو قليلا بالنسبة للنهار حيث تبلغ بمعدل 24 درجة . ولقرب المنطقة التي نتواجد فيها من خط الاستواء، يعاني معظم الذين يتجاوز عمرهم الستين من مرض الكاتاركت أي الساد أو الماء البيضاء الذي يتسبب في فقد البصر . كما ويعاني أهل المنطقة في كافة الأعمار من تشويه القرنية تحت تأثير أشعة الشمس والغبار . ولكن للأسف الشديد لا يوجد مستشفى لأمراض العيون في أي مناطق سوى عاصمتي تشاد وأفريقيا الوسطى . وقد هرع المسنون من النساء والرجال في المخيم لرؤيتنا ظنا منهم أن بيننا أطباء يمكنهم فحص عيونهم . وأثناء زيارتنا للمحافظة أخبر السيد سرهات محافظ الإقليم أنه بإمكان الهيئة إحضار أطباء متطوعين إلى المنطقة لعلاج المرضى هنا في حالة توفير المحافظة بيئة صحية كالمستشفى . أجابه المحافظ أنه سيكون من الجيد المساهمة في ذلك ولكنهم للأسف ليس لديهم الامكانيات وأنهم سيكونون في غاية الامتنان إذا قامت تركيا بإنشاء مستشفى لهم من أجل هذا الغرض . في هذا السياق، أفاد السيد سرهات أنه سيقوم بذكر هذا الطلب في تقريره الذي سيقوم بإعداده وعرضه لهيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات

ما هو لون الرجل الابيض؟

كانت هي المرة الأولى لمعظم أطفال المخيم أن يروا '' رجلا أبيض اللون ''. وكان بعضهم يبكي من الخوف ولكن معظمهم يلتمون حولنا بشكل يثير فضولهم . وعندما حاولت الجلوس بينهم واللعب معهم، جاء أحدهم وبدأ بلمس وجهي باصابعه كمحاولة ليفهم هل على وجهي مدهون بطلاء أبيض أم لا . لأن السحرة في الأعياد الأفريقية التقليدية يقومون بطلاء وجوههم بالجير الأبيض ويقومون بالرقص من أجل طرد الأرواح الشريرة . واعتقد أن هذا الطفل ظن أني ساحر . وبعد أن رأوا أن لوني حقيقي وأحسوا أن حبي لهم عميق وصادق، بدأوا باللهو بلمسهم لوجهي وذراعي . وبالطبع البيئة هناك قذرة جدا . في البداية حاولت الابتعاد قليلا عنهم خوفا من الأمراض ولكن بعد فترة قصيرة شاركتهم ألعابهم دون خوف وقلت في نفسي دعك من هذا، وأترك هؤلاء الأطفال الذين فقدوا كل ما لديهم ليلعبوا معك قليلا .


 

أخبار مشابهة
شاهد الجميع
فرق الإغاثة في هايتي التي ضربها الزلزال
فرق الإغاثة في هايتي التي ضربها الزلزال
وصلت وحدات إدارة الكوارث التابعة لهيئة الإغاثة الإنسانية İHH إلى هايتي التي ضربها الزلزال. ووزعت في المرحلة الأولى سلات غذائية والمنظفات على 550 عائلة من ضحايا الزلزال.
İHH ترسل مساعدات طارئة إلى فلسطين
İHH ترسل مساعدات طارئة إلى فلسطين
أطلقت هيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات İHH حملة مساعدات طارئة بعنوان "كن أملاً لغزة"، من أجل الفلسطينيين الذي باتوا في حاجة إلى المساعدات نتيجة الاعتداءات المتزايدة على فلسطين. وإلى جانب المساعدات الطارئة، تم توفير احتياجات الفلسطينيين الأخرى من المأوى والغذاء والدواء والمواد الصحية والوقود.
IHH تضمد الجراح في سوريا منذ 10 سنوات
IHH تضمد الجراح في سوريا منذ 10 سنوات
- هيئة الإغاثة الإنسانية IHH تستمر في تضمين جراحات المعاناة الإنسانية في سوريا. - حصيلة عشرة أعوام من المساعدات الإنسانية الحياتية المستمرة في سوريا.