الرجاء الانتظار
< كنا هناك

يأكلون آذان الحيوانات في محاولة للبقاء على قيد الحياة

Abdullah Kibritçi 20.10.2016 شهادات , رمضان تشاد

doba1_1.jpg

يعيش الآلالف في مخيمات اللاجئين الواقعة في تشاد تحت ظروف معيشية صعبة. تحاول النساء تجفيف ما تجدن من أجزاء الحيوانات الملقاة في النفايات كالآذان والحناجر والجلود والعظام وغيرها لطهي الطعام.

كان اليوم الأول من أيام شهر رمضان حين انطلقنا من نجامينا عاصمة تشاد إلى الحدود الشرقية للبلاد. وصلنا إلى المخيم وقد خارت قوانا جراء الرحلة الطويلة. الصيام ودرجة الحرارة المرتفعة زادت من مشقة عملنا، لكن الحالة المزرية التي شهدناها دفعتنا للحركة دون توقف.

اضطر الملايين من الناس في جمهورية أفريقيا الوسطى لترك بيوتهم إثر أحداث العنف التي شهدتها البلاد عام 2013. كانت المليشيات النصرانية تلاحق كل من لم يستطع الفرار من المسلمين، فتقوم بتعذيبهم وتقطيعهم أرباً بالسواطير على قارعة الطرقات، وذلك دونما تمييز بين طفل أو امرأة. أما الذين لاذوا بالفرار فقد لجؤوا إلى أمثال هذا المخيم على الحدود مع تشاد. 

 

dr-congo.jpg

اضطر الملايين من الناس في جمهورية أفريقيا الوسطى لترك بيوتهم إثر أحداث العنف التي شهدتها البلاد عام 2013.

كان الوقت صباحاً حين وصلنا إلى محطتنا الأولى في مخيم دوبا للاجئين. أُنشِئ المخيم في ساحة قبال منشأة كبيرة. يلعب الأطفال حول الخيام ويمرحون، وقد اصطف اليافعون في طابور طويل ينتظرون دورهم لأخذ نصيبهم من الماء. يقيم بعض الناس في الخيام ويضطر بعضهم الآخر لإنشاء منزله بنفسه. وتتألف مواد البناء من بعض العيدان والأحراش وبقايا الألبسة والنايلون وما يعثورن عليه من هنا وهناك، ويعتمد البناء على أغصان الشجر حفاظاً على تماسكه. جاؤوا إلى هنا هاربين دون أن يجدوا الفرصة حتى لجلب ملابسهم معهم. وصل بعضهم إلى الحدود بعد رحلة طويلة سيراً على الأقدام، والبعض الآخر وقع في كمائن وقُتل في الطريق. يعرف العالم أجمع ما حل بهم. كل شيء حصل أمام مسمع ومرأى من العالم، ولم يقم أحد بمد يد لمساعدتهم. في تلك الأيام كان التاريخ يكتب المجازر التي ترتكبها الميليشيات النصرانية بحق المسلمين في جمهورية أفريقيا الوسطى.

imag3481_1.jpg

تتألف مواد البناء من بعض العيدان والأحراش وبقايا الألبسة والنايلون وما يعثورن عليه من هنا وهناك، ويعتمد البناء على أغصان الشجر حفاظاً على تماسكه.

ذهبت أسير في أعماق المخيم. رأيت نساءً تطحنَّ حبوب الذرة في (الهاون) منذ الصباح الباكر، والأطفال يتحلقون النيران المتقدة أمام البيوت في انتظار الطعام، إنهم لا يملكون سوى الذرة طعاماً. ثم لاحظت عيناي أمراً عجيباً. ادنوا قليلاً لأشهد أمراً يكفي لإدراك وضع الناس هنا؛ أقمشة بيضاء تجفف النساء عليها أجزاء الحيوانات الملقاة في النفايات كالآذان والحناجر والجلود والعظام وغيرها. يطبخ الطعام استعداداً لساعة الإفطار فاليوم هو اليوم الأول من شهر رمضان.

kamerun-orta-afrika-siniri-multecilere-dagitim.jpg

الأطفال يتحلقون النيران المتقدة أمام البيوت في انتظار الطعام، إنهم لا يملكون سوى الذرة طعاماً.

فقد أباه وهو ذاهب لصلاة الجمعة، وقتلت أمه أمام علينيه...

التقيت أثناء تجوالي في ذاك المخيم بفتاة اسمها مبروكة، وهي في الثالثة عشر من عمرها. كانت تَسْلُق البيض في كل صباح وتضعه على صفيح معدني ثم تتجول به المخيم لتبيعه. أتتبَّعها وأراقب طريقة عملها. إنها تتجول بين الخيام هوناً، وحينما يستوقفها الزبائن لشراء البيض تقوم بتقشيرِه وتنظيفه ثم تقديمه لهم. كما أنها تحمل في وعاءٍ أكياساً صغيرة تحتوي على السكاكر. "لماذا تبيعين هذه الأشياء يا مبروكة؟" أجابت "للمشاركة في مصروف البيت." البيت الذي ذكرته ما هو إلا خيمة من النايلون.

تُقيم مبروكة مع عمتها، وهي ليست الفتاة الوحيدة التي وصلت إلى المخيم من دون أبيها أو أمها. فهناك مئات الأطفال الذين قُتل آباؤهم وأمهاتهم في الطريق أو لم يستطيعوا الوصول إلى المخيم. لا تريد أن تكون عبئاَ على البيت وعمتها حتى في هذه الظروف القاسية. حين جاء فريق IHH إلى المخيم قبل عدة أشهر وعلموا أن مبروكة تريد العمل في التجارة تركوا لها رأس مال بسيط. وكانت تلك نقطة بداية جيدة ثم اشترت بالمال الذي اكتسبته من تجارتها منتجات أكثر. تخبرنا بأنها تشتري مواد غذائية للبيت بالمال الذي تربحه. تقول: "لأنهم يعطوننا نوعاً واحداً من الغذاء وهذا لا يكفي من أجل صنع الطعام".

كانت تعيش في بلادها أفريقيا الوسطى حياة جميلة، إخوتها كانوا يعملون مع والدهم في تربية الحيوانات، بينما كانت مبروكة تهتم بخدمة الزبائن في المطعم الذي كانت أمها تعمل فيه. وفي يوم من الأيام اضطرب الوضع، وبدأت الميليشيات النصرانية "أنتي بالاكا" بقتل المسلمين. حوصروا في بيوتهم أياماً طويلة. ذات يوم أراد والدها الذهاب إلى صلاة الجمعة، لكنه ذهب ولم يعد مرة أخرى. تتابع حديثها وتقول: "بقينا في البيت أياماً طويلة، لم نستطع الخروج إلى الخارج خوفاً، لكن لم يبق أمان في البيت أيضاً. لأنهم كانوا يغيرون على البيوت ويقتلون الناس".

mb_car_revisedwebedit34-1072x714.jpg

آلاف المسلمين وقعوا ضحايا للمجزار التي ارتكبتها الميليشيات النصرانية" أنتي بالاكا" في جمهورية أفريقيا الوسطى.

لم استطع سماع تتمة القصة من مبروكة. لأنها حين ذكرت حادثة هروبها مع أمها من البيت في جنح الليل، غصت واغرورقت عيناها بالدموع، فقاطعت الحديث رأفة بها وسألتها "لأي شيء كان حنانك أكثر؟" بعد دموع العين أشرقت ابتسامة من عينيها وقالت: "ملابسي، كانت لدي ملابس جميلة، اشتقت لها." مبروكة كما الناس جميعاً لم تحمل أثناء فرارها سوى لباسها الذي كانت ترتديه. استمعت عن أخبار مبروكة فيما بعد من الآخرين. اقتربت الميليشيات من الحي حيث كانت تسكن وبدأت باقتحام البيوت، فأدركوا بأنهم سيُقتلون في حال بقائهم في بيوتهم.

خططت أمها مع الكثير من الناس للفرار في جنح الليل نحو الحدود مع تشاد. إلا أن الجمْع تعرض في الطريق إلى كمين ميليشيات "أنتي بالاكا". قتلوا أمها وكثيراً من الأشخاص أمام عينيها. استفادت مبروكة من الهرج واستطاعت الفرار، وبعد رحلة أيامٍ طويلة أفلحت بالوصول إلى الحدود مع تشاد. أخذهم الجيش التشادي ووضعهم في المخيم. مع مرور الأيام اعتادت على الوضع فتذكرت ما تعلمته خلال عملها مع أمها في المطعم. فقررت العمل في بيع البيض المسلوق، لم تغير ما اعتادت عليه، قمنا نحن أيضاً بدعم عمل مبروكة الصغير هذا، وغادرنا المخيم. خلال ابتعاد السيارة عن المخيم يتراكض الأطفال خلف السيارة صائحين. التفت وألقي النظرة الأخيرة على المخيم، ومبروكة تهز يدها في وداعنا. 

mebruka1_1.jpg

تَسْلُق مبروكة البيض في كل صباح وتضعه على صفيح معدني ثم تتجول به المخيم لتبيعه.

غادرنا مخيم دوبا، وذهبنا إلى مخيمٍ آخر. كان أكثر المخيمات ازدحاماً في المنطقة، وقد أقيم على أرض واسعة. صعدت على ظهر شاحنة وجلْت ببصري في الأطراف. الناس يتنقلون من مكان إلى آخر. عشرات الدراجات العادية والنارية تتحرك بين الخيام. هناك إحساس بالاضطراب في المخيم، ملامح الشعور بالاعتياد الظاهرة على الوجوه تشير إلى أنه مخيم قديم. بدأ أحد المسؤولين حديثه قائلاً:  "يعيش هنا 12 ألف شخص. أغلبهم من النساء والأطفال. بينهم 194 طفلاً فقدوا آباءهم وأمهاتهم". جاء بعضهم برفقة أقربائهم، كما يقول، قُتل عائلات البعض منهم في الطريق، والبعض الآخر لا يُعرف كيف وصلوا إلى هنا. خلال تفريغ الشاحنات المحملة بالغذاء في المستودع، بدأ هطول المطر. لجأ الناس جماعاتٍ إلى تحت الأشجار. اقترب الوقت من المغرب حين انتهينا من العمل في المخيم.

وهكذا ودعنا يوماً آخر. إن العالم بوجود هذا العدد الهائل من المحتاجين في الطرف الآخر منه يثير الألم في أنفسنا. كان يمكننا أن نتجاهل كل ذلك ونلتفت إلى حياتنا الكاذبة و أحاديثنا البسيطة، ربما نكون حينها سعداء. ولكن الآن علمنا بذلك يحملنا المسؤولية باسم الإنسانية وباسم الإسلام.

تبرع لمساعدة اللاجئين في أفريقيا الوسطى

 cad-genel.jpg